حادثة زليخة وبنية التفكير الجمعي المتوتّر

Zula

مروان الحسيني

أقف دوماً إلى جانب الكلمة الحرة العقلانية. تلك الكلمة الجريئة المنفتحة على التفكير النقدي الواضح والأدلة العلمية الراسخة. وهو في رأيي تفكير لا يزال غير فاعل كثيراً في سياقاتنا العربية، وإن كان كثيرون يرفعون لواءاته.

أقرأ مقالات لعديد من الكتّاب والمفكّرين العرب والأردنيين الذين يضعون أنفسهم في بلّورة التفكير النقدي، أو يقاربونها، وأجد في مقالاتهم ما يجدر الانتباه إليه وتطويره إذا ما شاء أحد أن يؤسس لحالة نقدية تفاعلية مثمرة بعيدة عن الأضداد ولغة الـ “نحن” والـ “هم”، وبعيداً كذلك عن ثقافة الهجوم والهجوم المضاد، وأساليب الاستفزاز الشعوري المتنوعة.

أتابع مقالات ومقولات لكثيرين في الأردن، وخصوصاً تلك التي تتعلق بنقد الخطابات الدينية والعقليات الدينية وخطابات الإسلام السياسي والخطابات الآيديولوجية المختلفة والعلاقة الملتبسة بين ما هو ديني وما هو غير ديني (حسب التعريفات المختلفة)، وأجد في مجمل هذه المقالات مفاتيح مهمة تنبّه إلى الكثير من مواطن الخلل الفكري والثقافي والاجتماعي والديني التي تنتشر في مجتمعاتنا ولدى أفرادنا والتي تحتاج إلى فحص وتدقيق وتأنٍ في وضع المعالجات المناسبة لها.

ومن هؤلاء الذين أقرأ لهم معاذ بني عامر ومحمد أبو رمان وزليخة أبو ريشة وباسل رفايعة ونارت قاخون وباسم الطويسي وإبراهيم غرايبة ويوسف ربابعة وسائد كراجة وذوقان عبيدات وحسني عايش ووليد حسني وموسى برهومة ومحمود منير وحسين الرواشدة وغيرهم.

وإذا كانت قد أثيرت ضجة تصاعد بعض دخانها عبر وسائل الاتصال الاجتماعي، وبالأخص التويتر، حول مقالة وضعتها زليخة أبو ريشة بعنوان “غسيل الأدمغة” ونبّهت فيها إلى “آليات غسيل الأدمغة التي تعشّش اليوم في مدارسنا”، فإنني أرى أن المعارك الفكرية لا تُخاض عبر الفيسبوك والتويتر، وإنما تكون في العقول وعبرها.

أتفق مع الكاتبة في مقالتها حول غسيل الأدمغة وآليات الكراهية من حيث أن خطاب الكراهية تفشى “في التنشئة الأسرية، أو في المدرسة، أو في الإعلام، أو في منابر المجتمع الأهلي والمعابد، أو فيها جميعها أو بعضها”، لكنني أرى ضرورة النظر في السياقات الأوسع والجذور الأعمق لآليات هذا الخطاب، دينياً وسياسياً واجتماعياً وفكرياً، وشعوريا وهذا الأهم. فإذا كنا نرى مشكلة في مدارسنا و”في المراكز الثقافية الدينية المنغلقة”، فإن معالجتها لا تبدأ بعبارات عامة ملتبسة، بل تحتاج إلى عملية طويلة لا تبدأ فقط بالدراسة العلمية لمظاهر هذه المشكلة، ولا تنتهي فقط بتوصيف علاجاتها.

ما رأيته خلال الأيام الماضية على التويتر والفيسبوك والمواقع الإلكترونية من هجوم شرس مشحون هو أن زليخة أبو ريشة نفسها أصبحت أداةً من أدوات شحن الكراهية وبثّها. وهذا أمر وقع في فخاخه من هم ضدّها ومن هم معها. إذ لا أحد يناقشها في أفكارها؛ الحُجة مقابل الحُجة، ولا أحد يضيف إليها أو يؤشر إلى مدى قوتها في مواضع ومدى ضعفها في مواضع، عدا استثناءات بسيطة. والهجوم الذي رأيته يتفاعل بشدّة هو على شخصها، ومن خلال الإلقاء بعبارات وردود أفعال كليشيهية جاهزة، ومنها الشتائم واستحضار الصور النمطية المبرمجة جمعياً، وهي التي تتوارثها العقليات الاجتماعية السائدة وتستخدمها عند الحاجة إليها باختلاف الأسباب.

كما أن معظم ما تعرضت إليه أبو ريشة من هجوم استند إلى تعليق لها على مقالتها وهي تقدمها للقراء على صفحتها “الفيسبوكية”، وتضمن التعليق سوء فهم لم يميزه كثيرون. إذ أنها هاجمت الخطاب الآيديولوجي الذي رأت أن مراكز تحفيظ القرآن تقوم من خلاله بغسل أدمغة الأطفال.

والحقيقة أن تعليقها صدمني للوهلة الأولى. فهي تقول: “إن مراكز تحفيظ القرآن جميعها تقوم بغسيل الأدمغة وتقدم الخطاب الأيدولوجيّ، والكثير من الخطاب الشوفيني وخطاب الكراهية، وجميع مرتاديها من أطفال هذا الوطن خلايا نائمة.” وهذا تعميم لا داعي له، لكنني قبلته من ناحية أنني فسّرته بأنها تريد إحداث انتباهة، ودق ناقوس الخطر، لدى القارىء حتى يقرأ مقالتها بتركيز أكبر على أفكارها وعلى ما تحذر منه من “آليات غسيل الأدمغة التي تعشّش اليوم في مدارسنا ابتداءً من دور الحضانة ومروراً برياض الأطفال وانتهاءً بالثانوية العامة التي تقوم التنشئة فيها بلا استثناء يُذكَر، على التخويف من عذاب الله، لا التنعم برحمته، وعلى ذهنية التكفير والفرقة الناجية والتفوق العقائدي”.

غير أن ما حدث في اعتقادي، أو منبع سوء الفهم الذي وقعت فيه “العقلية الجمعية الإلكترونية” التي هاجمت أبو ريشة، ليس التعميم بحد ذاته (وإن كانت الكاتبة تراجعت عن التعميم بعد ذلك)، بقدر ما هو أنها مسّت بالنقد مقدّساً اجتماعياً شعبياً (حيث أن مراكز تحفيظ القرآن هي بُنى اجتماعية ذات صبغة دينية وليست بُنى دينية مقدّسة). وهذا المسّ وحده كان كفيلاً بتحريك الكثير من عبارات الكراهية والتنميط الجاهز والشتائم تجاهها.

وإذا ما أردت الدخول أعمق في التحليل، أقول أن كثيرين ظنوا أنها تهاجم القرآن نفسه، بسبب من سوء الفهم الذي تستدعيه عباراتها في تعليقها، وسوء الفهم الذي تستدعيه عناوين الأخبار التي هاجمتها. فبمجرد قراءة عناوين مثل “أبو ريشة تهاجم مراكز تحفيظ القرآن” أو “زليخة أبو ريشة تسيء للإسلام” فإن الظن يتحول إلى يقين شعوري، خصوصاً وأن مفردة “الهجوم” قد ارتبطت بمفردتي “القرآن” و”الإسلام”. وهذا الظن وحده كان أيضاً كفيلاً بصدمة نفسية شعورية أدت بالكثير من المعلّقين على التويتر والفيسبوك إلى التعبير عن ردود فعل مباشرة دون تمحيص الأفكار أو التفكّر فيها، بل انطلاقاً مما اعتادوا عليه من هجمات سريعة مبرمجة في دواخلهم.

أريد في هذه المناسبة أن أؤشر بشكل بسيط إلى مسألة أراها مهمة تحتاج إلى تناول هادىء ومختلف، وربما حواراً من أنواع الحوارات المتواصلة. هذه المسألة تتعلق ببنية التفكير الجمعي لدى كثير منّا عندما يتعلق الأمر بمناقشة المواضيع الدينية أو الدفاع عنها. كثيراً ما أتأمل في بنية هذا التفكير لدى الشريحة الاجتماعية الأوسع التي أتعامل معها، فأرى أن هذه البنية هي في جانبها العقلي تراثية – في أغلبها – مزروعة في تربة دينية تاريخية، وفي جانبها الشعوري عاطفية حنينية متوترة – في أغلبها أيضاً. وهذا التفكير على هذه الصورة لا يترك مساحة كبيرة للتفكير العلمي النقدي المتأمل، أو الموقف الشعوري المتزن، مما يجعل أي (حادثة نقدية) مثل مقالة “غسيل الأدمغة” تبدو وكأنها تهجّم مباشر على ما يعتبره الكثيرون مقدّساً، وهو ليس كذلك، وإن كان تقدّس وراثياً واجتماعياً وشعورياً وليس عقلياً.

ليس المجال هنا توصيف الأزمات التي نعيشها في سياقاتنا العربية: اجتماعياً وتعليمياً وثقافياً وفكرياً، ولكنها فرصة للتأشير إلى ضرورة التوافق على عمل جمعي من شأنه التنبيه إلى منابع الخطابات التي تعيق تطور مجتمعاتنا عقلياً وشعورياً ومعالجة هذه المنابع بأقل الأضرار وبعيداً عن موجات شحن الكراهية والبغضاء.  

أتمنى ألا تجرّنا عقلياتنا المبرمجة إلى مستنقع الكراهية الذي يسحب إليه الجميع دون تفريق. وأعود للقول بأن المعارك الفكرية لا تُخاض عبر الفيسبوك والتويتر، وإنما تكون في العقول وعبرها، بأسلوب علمي عقلاني هادىء يأخذ في الحسبان الحساسيات المختلفة ليضعها تحت مجهر التشريح دون أن يجاملها أو يهاجمها لمجرد الهجوم، بل يسعى إلى معالجتها علاجاً مناسباً.

(نشرت هذه المقالة في صحيفة الغد)

لا تبحثوا عن الحرية

Thaqafat1

السعي إلى الحرية أو البحث عنها هو عبودية في حدّ ذاته. لأن من يسعى إلى الحرية أو يبحث عنها، ويبذل مجهوداً وتعباً في سبيل ذلك، يظل مقيّداً في هذا المسعى الذي يجعله محصوراً في هذا الهدف لا يرى غيره. كما أن من يبحث عن الحرية قد ينطلق من إدراك خاطىء بأن الحرية تُكتشف ويعثر عليها ويتم الوصول إليها. وهو بهذا يرى أن الحرية نقطة يجب الوصول إليها، وبالتالي يضعها في رتبة أي هدف آخر يمكن أن يسعى إليه الإنسان، وعندما يصل إليه ويحققه، يبدأ بالبحث عن هدف آخر يحققه.
وعندما تكون الحرية نقطة يجب الوصول إليها فإن المرء في حركته تجاهها يلتزم بخط السير الذي يربطه بها. قد يعتقد أنه حر في فعل ما يريد كي يصل إلى الحرية التي يريد، لكن ما يحدث هو أنه يقيد نفسه أكثر وأكثر في طريقه نحو فكرة متخيلة عن الحرية. ويقيّد نفسه أكثر بقيود الحركة نفسها في اتجاه واحد يعتبره أو يتصوره الهدف.

(المزيد)

لامرأةٍ لم تعرفني جيداً

tango-ii

(من مجموعتي الشعرية “حبر أبيض” / 1988 – 2004)

(1)

حين يبتعدُ الياسمينُ
أرى امرأةً
وكتاباً
ويخرجُ ظليَ
من ظلهِ…

***
حين يبتعدُ الياسمينُ
ترحلين كباقي النساءِ
ولا تتركينَ غياباً
بحجم سؤالي.

***

حين يبتعدُ الياسمينُ
ستنامين طويلاً
ولن تقولي: “ها أنا ذا قربكَ
أغافلُ النومَ
لأراكْ.”
ولن يكون للكلامِ بيننا
طعمُ عنبٍ مسائيٍ
أو أناقة “الايكبانا”

***

حين يبتعدُ الياسمينُ
أرقصُ التانغو وحيداً
تماماً كأسطورةٍ مفردةٍ
ترتجلُ لحنها الوحيدْ

***

حين يبتعدُ الياسمينُ،
تتبخرُ
الكلمات التي خبأناها
في وهجِ الخماسين
ولن يكونَ بيننا
ما يريبْ

***

(2)

كيف يمكنُ لامرأةٍ
لا تتقن خطورةَ أعضائها
أن تفصّل روحي
على مقاسِ شهقتها…

***
كيف يمكنُ لامرأةٍ
لا ترى وجهها
أن ترتدي أقنعتي
التي حبكتها أيدي
الراحلات طويلاً
في عزلتهن…

***
كيف يمكنُ لامرأةٍ
لا تقبضُ على حافةِ جنوني
أن تُمسكَ بي
متلبّساً بها…

***

(3)

ليس لي سببٌ
كي اردّدَ ما قلتُ
أو ما سأقولُ،
إنما أنحني للسلامِ
على الراحلينَ
وآخذُ فتنة الوقتِ
إلى كلامي.

***

(4)

مباركةٌ أنتِ بين نسائي،
تصعدين الحقيقة حافيةً،
إلا من حكمةٍ طائشة.
تجمعينَ الظلالَ
في جسدٍ
لا يتعلمُ الإصغاءَ
إلى جسده.

***

أيّ سماءٍ تهبطُ الآنَ عليّ
وأنا استعدُ لعبورٍ آخر؟
أيّ سماءٍ تفيقُ خفيفةً من نومِها
وتسطرُ في أوراقها البيضاء
حضوري أمامي؟

***

(5)

أكثرُ من مختلفٍ
مساؤكِ أيتها الآلامُ:
دمٌ يقطرُ من الهواءِ
من شهقاتِ الحاضرينَ
من المقاعدِ
من العتمةِ المتقنةِ
من أفكارٍ تتناثرُ
في صمتٍ أحمر…

***

أكثرُ من مختلفٍ
مساؤكِ أيتها الآلامُ:
لا وقتَ لديّ
لأرتبَ الوقتَ
الذي تحبسهُ يداكِ
في صدري..
لا وقتَ
يقدّم لي ما أحتاجُ
من وقتي
لأراكِ جيّداً
ولأعرفَ أني أجهلكِ
كما أجهلُ امرأةً
لا تخرجُ من جسدها
حين تمرّ على لغتي.

***

أكثرُ من مختلفٍ
مساؤكِ أيتها الآلامُ:
يدٌ تتدحرجُ
لتقبضَ على قلبي.

***

(6)

الظهيرةُ توقيتٌ سيىءٌ
للكلامِ عن الحبّ
وعن لونِ رغبتنا،
وللبحثِ عن نرجسٍ
ضائعٍ في شوارعِ المدينة.
والصباحُ
لا يناسبُ الاختلافَ
على المعنى
أو سردَ ما يعلقُ
في عيوننا
من دخانِ الأحلامِ الليليةِ.
ولا يناسبني أيّ وقتٍ
لكي أدّعي
أنني أؤمنُ بالصدفةِ
أو أنني عرفتُكِ
قبل أن نلتقي.
لكنني أزرعُ الدهشةَ
كي تحصدَ روحي
ما يتبقى لها
من روحي.

***

لي من العمرِ ما يكفي
لكي أعرفَ
أن الأبجديةَ تبدأُ بالأصابعِ
ولي من الحزنِ ما يكفي
لكي أربحَ ابتسامةً ناضجةً
على جسدٍ لا تهملهُ اللغاتْ

***

ربّما بصمتٍ أقلّ
كان يمكنكِ أن تقرئي
ما كانَ يكتبُ شاعرٌ
عن امرأةٍ تحسدينها…
وربّما بموتٍ أقلّ
كان يمكنكِ أن تكونيها
لكنّ زماننا
لا يفصحُ جيّداً
عن لعنةِ المحبينَ
حين تخونُهم أنفُسهم
وحين يستوطنهم الخوفُ
من خوفهم.

***

(7)

لا تشيرُ الساعةُ إلى شيءٍ
سوى مرورِ ساعةٍ أخرى
على صمتنا الذي كنا نبدأهُ
صباحاً
ولا ينتهي حين نتمنى لبعضنا
“أحلاماً سعيدةً”.

***

لا تشيرُ الساعةُ إلى شيءٍ
سوى عبورِنا شارعاً عادياً
تعوّدتْ أقدامُنا عليهِ
مثلما تعوّدتْ كلماتُنا
على غزلٍ
يخرجُ من قاموسٍ قديمٍ
لم ندفنهُ جيداً
حين تمرّدنا
على هندسةِ الأطلالْ.

***

لا يشيرُ القلبُ إلى شيءٍ
سوى وظيفتِهِ الأزليةِ
في تنظيمِ حركةِ المرورِ
الحمراء
وفي دقّ الطبولِ الرتيبةِ
على إيقاعٍ يخافُ “السامبا”.

***

(8)

لم أكن أؤسسُ فيكِ موتي
لكي أحتفلَ بموتكِ
شهيّةً بين يديّ.
لكنني كنتُ أسقيكِ ظمأً
لكي تتساوى بيننا الصحراءْ.

***

لم أكن أتوارى فيكِ
لكي تتواري خلفَ
خديعتكِ الحمقاء
في الحديثِ عن السياسةِ
وعن أفلاطونَ
والأهراماتْ.

***

لم أكن أرتديكِ
حتى أخبىءَ فيكِ
ما تساقطَ بينَ يديّ
من ثمرٍ مجنونٍ
وما تكسّر
من خبز الماضي.

***

(9)

رحماكَ يا “أوفيد”
لم تتعلمِ الأنثى قليلاً
من حكمتكَ،
عندما اشتعل انحدارُها
إلى رغبتها:
لا تجعل قلبكَ بوصلةً في يدِ غيركَ
فتفقد دليلكَ إليكْ.

(عمّان – 2004)

لا تطلبوا شيئاً… يتحقق لكم كل ما تريدونه

Nature-2b

هل تريدون الوصول إلى التناغم بين عالمكم الخارجي وعالمكم الداخلي؟ هل تريدون الحصول على كل ما تطلبونه من حياتكم؟ تكمن الخطوة الأولى في أن تعرفوا موقع الجسر الواصل بين هذه العالمين. إنه أنتم. إحساسكم بأنفسكم مجرّدة من أثقالها وأعبائها. أنفسكم الصافية البعيدة عن أي ضجيج من أي نوع؛ ضجيج الأفكار وضجيج المشاعر وضجيج الرغبات وضجيج الذكريات وضجيج الحياة اليومية.

هذا الإحساس بالنفس طريقه واضحة أمامكم، غير أن عليكم أن تنظروا إليها جيداً كي ترونها على حقيقتها. والرؤية الحقيقية لا تتحقق إلا إذا أقصيتم من أمامكم كل ما من شأنه أن يمنع عنكم هذه الرؤية.

انظروا إلى أنفسكم أولاً بصفاء وتجرّد ولا تطلبوا منها شيئاً… يتحقق لكم كل ما تريدونه في الحياة. وهذه هي مجرد بداية بسيطة لكي تضعوا أقدامكم في بداية طريق تحقق جميع ما تريدونه لحياتكم ولمن هم حولكم.

تخففوا من ضجيجكم الداخلي أولاً وانظروا إلى صفاء أنفسكم ومعجزاتها، فبمجرد أن تلامسوها تتحول حياتكم بحد ذاتها إلى معجزة.

أغمضوا أعينكم واستمعوا إلى أرواحكم لكي لا يأخذكم الضجيج بغواياته.

قد تقولون أن الحياة المعاصرة ومشاغلها لا تترك لنا وقتاً لمثل هذا. لكن المسألة ليست بهذه الصعوبة. إذا بدأتم بعشرة دقائق فقط كل يوم، تعلمون أنفسكم فيها أن لا تطلب شيئاً، تكونون قد بدأتم البداية الصحيحة.

خذوا عشرة دقائق لأنفسكم وأغمضوا أعينكم واستمعوا لدواخلكم، مجرّد استماع وليس تفكير. وتعمّدوا في هذه الدقائق ألا تطلبوا شيئاً وألا تتذكروا شيئاً. لتكن دقائق من الصمت تحاولون من خلالها الاستماع إلى صوت الكون كما يعبر عن نفسه من خلالكم.

قد تكون التجربة صعبة في البداية، وهذا شأن أي أمر جديد. لكنكم بمرور الوقت والتدريب اليومي سوف تفاجأون بالنتائج.

هذا ما تعلمته من حياتي وأمارسه يومياً، وهذا ما سأظل أمارسه طيلة حياتي لأن ما تحقق لي من خلال صمتي وهدوئي وإحساسي بنفسي وبلحظتي الراهنة خلال أقل من سنة، لم يتحقق لي خلال أكثر من أربعين سنة من الضجيج.

وما ستلمسونه أنتم بأنفسكم بعد فترة بسيطة على بدئكم هذا التمرين أو السلوك سوف يدهشكم.

فأي الطرق تختارون: الضجيج أم الدهشة؟ الجواب واضح جداً.

 

مروان الحسيني يكتب.. “(أنا أردني) … رسالة أمل ووئام”

كاتب المقال: مروان الحسيني، كاتب أردني وناشط في مجال الإعلام وحوار القيم والأديان، الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن وجهة نظر كاتبها، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر لـ CNN.

بينما يقترب العالم من مناسبة الأسبوع العالمي للوئام بين الأديان في شباط المقبل، يحتاج المرء إلى أن يوقف فوضى الفيديوهات الإخبارية التي تدور في رأسه، وأن يجد مكاناً مناسباً في عقله لمثل هذه المناسبة.

في الوقت الذي يحتاج فيه العالم بشدة إلى الوئام، وبالأخص في الشرق الأوسط حيث حروب وصراعات السياسة والمصالح والهويات ترتدي ملابس دينية، يجب أن يتم تطوير مفهوم الوئام نفسه إلى آلية أكثر استراتيجية تتخطى الكلمات. (المزيد)

سوشيال ميديا بدون أوكسجين

المشكلة في عبارات التفاؤل والإيجابية ورفع الروح المعنوية والحكم والنصائح التي تحث على التعامل مع الحياة بكل حرارة، وهي العبارات والحكم التي نعجب بها يومياً عبر الفيسبوك أو التويتر، وغيرهما من منصات الإعلام الاجتماعي (السوشيال ميديا)، ونتشارك بها مع أصدقائنا وتحظى بنسبة عالية من المشاركة عند الجميع،،، مشكلتها أنها لا تصلح لنا في محاولاتنا الحثيثة لتطبيقها في سياقاتنا العربية رغم أننا نؤمن بها نظرياً على الأقل.

كثير من هذا العبارات يتلخص في نصيحة: “كن أنت نفسك”.

كيف يكون الواحد منّا نفسه في سياق عربي منفصم ومليء بالتناقضات السياسية والاجتماعية والفكرية، وفي بيئة تتطلب من المرء أن يكون في كل دقيقة أي شيء أو أي شخص إلا نفسه.

نصيحة أخرى تتلخص في معنى أنك في النهاية ستجني ثمار عملك.

كيف يكون هذا صحيحاً، والواحد منا يقضي سنوات في “الحراثة” والتعب والاجتهاد وتطوير القدرات، وفي النهاية لا يجني الثمار إلا ابن فلان أو من كانت واسطته فلان أو من يدور في فلك فلان دون تعب أو كد أو إعمال للعقل والخيال.

وعديد هذه العبارات يصب في معنى أن: عليك أن تكون هادئاً مهما حصل لك وأن تركز على قيم الخير والمحبة والجمال والدنيا ستمنحك في النهاية ما تستحقه. كيف هذا ونحن نرى الدنيا عبر سنوات وسنوات لا تبتسم ولا تفيض إلا على من كان ذا فساد أو خلق أعوج، وعلى أصحاب الشر والكراهية والقبح.

الإيجابية أمر صحي لا غبار عليه ونؤمن بها (نظرياً). لكنها لا تنمو، ولن تنمو، دون بيئة تفهمها وترعاها في كل لحظة. أما في البيئة التي تعاديها وتقتلها في كل لحظة فإنها لن تكون سوى فكرة مشوّهة غائمة، لا نملك إلا أن نثرثر بها مجرد ثرثرة.

خلاصة القول، مهما فعلنا ومهما كنّا إيجابيين وأصحاب طاقات في هذه البيئة العربية فإن ثمة من يقتلنا في كل لحظة بأسلوب بسيط وهو: قطع الأوكسجين عن أنفاسنا الإيجابية وجعلنا نتنفس الهراء.

الإيجابية بذرة قوية تحتاج إلى تربة نظيفة وماء نظيف وهواء نظيف كي تنمو في داخلنا وحولنا، والبيئة العربية بعيدة كل البعد عن هذه الشروط. لهذا ستظل العبارات جميعها التي نتداولها مجرّد فقاعات نلهو بها في محاولة منا لنسيان العفن الذي يعشش واقعنا العربي.

لم ألعن الظلام بل أشعلت مئات الشموع، لكنها كلها أحرقت أصابعي.

الحرية في اللحظة الراهنة

الماضي لا يعود، لأنه لا يغادر. فهو ليس ماضياً. إنه تجربة اللحظة الراهنة التي نقوم بتحويلها إلى حزم من الطاقة والمعلومات، نحملها معنا، وتظل معنا في لحظاتنا الراهنة. الماضي مجرد تعبير عن تجربة لا عن زمان. يتغير شكله لكن جوهره يبقى كما هو محمولاً في أرواحنا وفي أجسادنا وفي عقولنا.

والمستقبل كذلك، ليس سوى لحظة راهنة نعيشها ونقوم بتحويلها إلى حزم من الطاقة والمعلومات. وهو ليس زمناً مقبلاً بل مجرد تعبير عن تجربة راهنة نعيشها بشكل مختلف. وشكل المستقبل هو المتغير، أما جوهره فمحمول في كينونتنا: أجساداً وأرواحاً وعقولاً.

إن من يصل إلى الإحساس باللحظة الراهنة كما هي – أي متحررةً من الماضي والمستقبل كمفهومين زمانيين – يصل إلى لحظة الحرية الخالصة، لحظة الطبيعة النقية التي هي نقطة بداية الخلق وأبديته. إنها لحظة الوجود الفعلي الذي يشعر بوجوده من خلال وجوده فقط، وليس من خلال ارتباطه بمفاهيم ومسميات بشرية زمانية ومكانية.

التحرر من مفاهيمنا التقليدية للماضي والمستقبل، وتركيزنا الطبيعي على اللحظة الراهنة، يخلصنا من الكثير من هموم الحياة المعاصرة وقلقها. وهي هموم تشكّلت بسبب التشبث الإنساني بمعانٍ غائمةٍ لمفاهيم الماضي والحاضر والمستقبل، بل والحياة أيضاً.

في لحظة تفكير صافية وبسيطة بالمعنى المريح للحظة الراهنة يمكننا أن نزيل عن ظهورنا جبالاً من هموم التفكير المعاصر. يمكننا بهذه الطريقة أن نصل إلى الإحساس الحقيقي بأنفسنا كما نريد نحن، لا كما تريد لنا الحياة المعاصرة التي تتداخل فيها عوامل كثيرة تجعلها حياة صعبة ومرهقة.

الوعي باللحظة الراهنة هو بداية الوعي بحقيقة النفس ووجودها. إنه وعي خالص متخلص من قيود الزمن بأشكاله المختلفة: ماضية ومستقبلية وحاضرة. هو وعي مستمر بلحظة راهنة لا تنقطع. وعي لا غاية له سوى الوجود لنفسه لا لمكتسبات ومسميات حياتية مرهقة ومتعبة ومقلقة.

من أراد أن يرتاح، عليه أن يعي نفسه في لحظتها الراهنة، وأن ينفض عنها غبار الزمان والمكان.

مروان الحسيني