الكنائس تراث إسلامي أيضاً .. مروان الحسيني * | كتاب عمون | وكالة عمون الاخبارية

الكنائس تراث إسلامي أيضاً .. مروان الحسيني * | كتاب عمون | وكالة عمون الاخبارية.

الكنائس تراث إسلامي أيضاً .. مروان الحسيني *

[3/25/2012 5:53:02 PM]

الكنائس في منطقتنا العربية تراث روحي شرقي لا يحق لأي كان العبث به، سواءً باسم الدين أو السياسة أو الأيديولوجيا أو غيرها. والمسيحية المشرقية مكوّن أساس من مكونات الحضارة الإنسانية في المنطقة، لا يمكن التخلي عنه أو هدمه أو تخريبه. بل إنها، مثلما هي الحال مع الإسلام والمساجد وصوت الأذان خمس مرات في اليوم، تدخل في تكوين النسيج النفسي والاجتماعي والتاريخي الجمعي للإنسان العربي، مسلماً كان أم مسيحياً.

والدعوة إلى هدم الكنائس في المنطقة – أو في الجزيرة العربية كما أفادت الأخبار التي نقلت الدعوة على لسان مفتي السعودية مؤخراً – هي دعوة إلى هدم الإنسان العربي، بل إنها أسوأ من قتله، ولا تقل خطورة عن الدعوة إلى هدم المساجد أو المدارس أو المستشفيات أو رياض الأطفال. بل إنها لا تختلف عن الدعوة إلى هدم الكعبة المشرّفة نفسها أو المسجد الأقصى أو قبّة الصخرة.

لستُ في هذا السياق معنياً كثيراً بردود الأفعال التي صوّرت الدعوة إلى هدم الكنائس جزءاً من مخطط عالمي لخلق فوضى عارمة في الشرق الأوسط، ولكنّ ما يعنيني أكثر هو ردة الفعل النفسية على دعوة من مثل هذا النوع. فأن يسمح الإنسان العربي، المسلم قبل المسيحي، بمرور مثل هذا الكلام دون أي تأثر بخطورته ودون أي تعبير عن سخط ما تجاهه، فهذا مؤشر مرعب على سادية من نوع جديد؛ إذ إن السماح بهدم الكنائس والدعوة إلى ذلك لا يختلف عن سادية من يتلذذ بتعذيب أشقائه وشقيقاته وأبنائه وبناته وأهله.

لن أقول أن دعوة كهذه تتعارض تعارضاً تاماً مع مبادىء وتعاليم الإسلام السمحة. فهذه الحقيقة يجب أن تكون من المسلّمات التي لا يختلف عليها اثنان، خصوصاً ونحن في هذا القرن لا نزال نعيش نتائج سياسات وأيديولوجيات التعصب والانغلاق والحقد والكراهية ونفي الآخر والمتاجرة بالدين والإنسان.

لقد تمنيت وأنا أقرأ مؤخراً أخباراً عن معرض الحج الذي يقيمه المتحف البريطاني في لندن تحت عنوان “الحج رحلة إلى قلب الإسلام”، ويشهد إقبالاً منقطع النظير، أن تكون هنالك دعوة ومساعٍ جادة في منطقتنا إلى تفعيل المعارض الروحية المشتركة التي تؤكّد على التراث الروحي الإسلامي والمسيحي المتشابك والعميق للبلدان العربية والمشرقية، بوصفها حاضنة التواصل بين السماء والأرض منذ بدء الخليقة.

إن من شأن الدعوة إلى مثل هذه المعارض وتفعيلها بث الروح في تنوع وتعددية المنطقة وإخراج شعوبها من مآزق الأيديولوجيات المنغلقة والتعصب العقائدي والهويات الضيقة إلى رحابة المفهوم الإلهي للخلق وللحياة الإنسانية. كما من شأنها أن ترسخ في أحاسيس الكثيرين ومشاعرهم وتفكيرهم أن لا أحد يحتكر الحقيقة المطلقة، ولا أحد يتحدث نيابة عن الخالق.

لو لم تكن الكنائس والوجود المسيحي في مشرقنا تراثاً روحياً إسلامياً لما وصلنا منها شيء عبر القرون، ولما ظلّت شاهدة على حضارة إنسانية عرف المسلمون الأوائل قيمتها وحافظوا عليها حفاظهم على أنفسهم. لذا، أخشى أن تتطور الدعوة إلى هدم الكنائس إلى دعوةِ دمارٍ أكثر شمولاً تهدف إلى هدم ما تبقى من العقل العربي وكرامة الإنسان العربي.

* إعلامي وباحث في شؤون الأديان والثقافات.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s