لامرأةٍ لم تعرفني جيداً

tango-ii

(من مجموعتي الشعرية “حبر أبيض” / 1988 – 2004)

(1)

حين يبتعدُ الياسمينُ
أرى امرأةً
وكتاباً
ويخرجُ ظليَ
من ظلهِ…

***
حين يبتعدُ الياسمينُ
ترحلين كباقي النساءِ
ولا تتركينَ غياباً
بحجم سؤالي.

***

حين يبتعدُ الياسمينُ
ستنامين طويلاً
ولن تقولي: “ها أنا ذا قربكَ
أغافلُ النومَ
لأراكْ.”
ولن يكون للكلامِ بيننا
طعمُ عنبٍ مسائيٍ
أو أناقة “الايكبانا”

***

حين يبتعدُ الياسمينُ
أرقصُ التانغو وحيداً
تماماً كأسطورةٍ مفردةٍ
ترتجلُ لحنها الوحيدْ

***

حين يبتعدُ الياسمينُ،
تتبخرُ
الكلمات التي خبأناها
في وهجِ الخماسين
ولن يكونَ بيننا
ما يريبْ

***

(2)

كيف يمكنُ لامرأةٍ
لا تتقن خطورةَ أعضائها
أن تفصّل روحي
على مقاسِ شهقتها…

***
كيف يمكنُ لامرأةٍ
لا ترى وجهها
أن ترتدي أقنعتي
التي حبكتها أيدي
الراحلات طويلاً
في عزلتهن…

***
كيف يمكنُ لامرأةٍ
لا تقبضُ على حافةِ جنوني
أن تُمسكَ بي
متلبّساً بها…

***

(3)

ليس لي سببٌ
كي اردّدَ ما قلتُ
أو ما سأقولُ،
إنما أنحني للسلامِ
على الراحلينَ
وآخذُ فتنة الوقتِ
إلى كلامي.

***

(4)

مباركةٌ أنتِ بين نسائي،
تصعدين الحقيقة حافيةً،
إلا من حكمةٍ طائشة.
تجمعينَ الظلالَ
في جسدٍ
لا يتعلمُ الإصغاءَ
إلى جسده.

***

أيّ سماءٍ تهبطُ الآنَ عليّ
وأنا استعدُ لعبورٍ آخر؟
أيّ سماءٍ تفيقُ خفيفةً من نومِها
وتسطرُ في أوراقها البيضاء
حضوري أمامي؟

***

(5)

أكثرُ من مختلفٍ
مساؤكِ أيتها الآلامُ:
دمٌ يقطرُ من الهواءِ
من شهقاتِ الحاضرينَ
من المقاعدِ
من العتمةِ المتقنةِ
من أفكارٍ تتناثرُ
في صمتٍ أحمر…

***

أكثرُ من مختلفٍ
مساؤكِ أيتها الآلامُ:
لا وقتَ لديّ
لأرتبَ الوقتَ
الذي تحبسهُ يداكِ
في صدري..
لا وقتَ
يقدّم لي ما أحتاجُ
من وقتي
لأراكِ جيّداً
ولأعرفَ أني أجهلكِ
كما أجهلُ امرأةً
لا تخرجُ من جسدها
حين تمرّ على لغتي.

***

أكثرُ من مختلفٍ
مساؤكِ أيتها الآلامُ:
يدٌ تتدحرجُ
لتقبضَ على قلبي.

***

(6)

الظهيرةُ توقيتٌ سيىءٌ
للكلامِ عن الحبّ
وعن لونِ رغبتنا،
وللبحثِ عن نرجسٍ
ضائعٍ في شوارعِ المدينة.
والصباحُ
لا يناسبُ الاختلافَ
على المعنى
أو سردَ ما يعلقُ
في عيوننا
من دخانِ الأحلامِ الليليةِ.
ولا يناسبني أيّ وقتٍ
لكي أدّعي
أنني أؤمنُ بالصدفةِ
أو أنني عرفتُكِ
قبل أن نلتقي.
لكنني أزرعُ الدهشةَ
كي تحصدَ روحي
ما يتبقى لها
من روحي.

***

لي من العمرِ ما يكفي
لكي أعرفَ
أن الأبجديةَ تبدأُ بالأصابعِ
ولي من الحزنِ ما يكفي
لكي أربحَ ابتسامةً ناضجةً
على جسدٍ لا تهملهُ اللغاتْ

***

ربّما بصمتٍ أقلّ
كان يمكنكِ أن تقرئي
ما كانَ يكتبُ شاعرٌ
عن امرأةٍ تحسدينها…
وربّما بموتٍ أقلّ
كان يمكنكِ أن تكونيها
لكنّ زماننا
لا يفصحُ جيّداً
عن لعنةِ المحبينَ
حين تخونُهم أنفُسهم
وحين يستوطنهم الخوفُ
من خوفهم.

***

(7)

لا تشيرُ الساعةُ إلى شيءٍ
سوى مرورِ ساعةٍ أخرى
على صمتنا الذي كنا نبدأهُ
صباحاً
ولا ينتهي حين نتمنى لبعضنا
“أحلاماً سعيدةً”.

***

لا تشيرُ الساعةُ إلى شيءٍ
سوى عبورِنا شارعاً عادياً
تعوّدتْ أقدامُنا عليهِ
مثلما تعوّدتْ كلماتُنا
على غزلٍ
يخرجُ من قاموسٍ قديمٍ
لم ندفنهُ جيداً
حين تمرّدنا
على هندسةِ الأطلالْ.

***

لا يشيرُ القلبُ إلى شيءٍ
سوى وظيفتِهِ الأزليةِ
في تنظيمِ حركةِ المرورِ
الحمراء
وفي دقّ الطبولِ الرتيبةِ
على إيقاعٍ يخافُ “السامبا”.

***

(8)

لم أكن أؤسسُ فيكِ موتي
لكي أحتفلَ بموتكِ
شهيّةً بين يديّ.
لكنني كنتُ أسقيكِ ظمأً
لكي تتساوى بيننا الصحراءْ.

***

لم أكن أتوارى فيكِ
لكي تتواري خلفَ
خديعتكِ الحمقاء
في الحديثِ عن السياسةِ
وعن أفلاطونَ
والأهراماتْ.

***

لم أكن أرتديكِ
حتى أخبىءَ فيكِ
ما تساقطَ بينَ يديّ
من ثمرٍ مجنونٍ
وما تكسّر
من خبز الماضي.

***

(9)

رحماكَ يا “أوفيد”
لم تتعلمِ الأنثى قليلاً
من حكمتكَ،
عندما اشتعل انحدارُها
إلى رغبتها:
لا تجعل قلبكَ بوصلةً في يدِ غيركَ
فتفقد دليلكَ إليكْ.

(عمّان – 2004)

Advertisements

One thought on “لامرأةٍ لم تعرفني جيداً

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s