البراغماتيات القاتلة

مروان الحسيني *

وأنا إذ أتأمل في التفكير “العملي” العربي، في السياقات السياسية والاجتماعية والدينية، وهو التفكير الذي تظهر إشاراته وعلاماته ونتائجه في سلوك وطرق تصرّف سياسيين وفاعلين اجتماعيين ودينيين في المساحة العربية، فإنني أكاد لا أجد أثراً للبراغماتية الطبيعية البسيطة النابعة من مصلحة وحاجات ملحّة، أو تلك المتخفّية بأقنعتها خوفاً وخجلاً.
لقد انتهى عصر تلك البراغماتية الفطرية، ونجد أنه قد حلّ محلّها ما أسميه بالبراغماتية الشرسة، وهي براغماتية واضحة لا تخشى الإعلان عن نفسها وعن أهدافها. وأرى هذه البراغماتية الشرسة تتطوّر في مراحل يمكنني تلخيصها في:

أولاً: البراغماتية المتحفزة، وهي تلك التي تتحفز للقفز الأوّلي وتحقيق المصالح الأولى، دون وعي كبير بضررها على الذات العميقة وعلى زاوية النظر إلى الآخرين.
ثانياً: البراغماتية اللئيمة، وهي الدرجة الثانية التي تبدأ تعي ضررها بشكل أكبر على الآخرين، وتفرح له، ولكنها تظل عمياء عن ضررها الذاتي.
ثالثاً: البراغماتية الملوَّثة، وهذه البراغماتية واعية تماماً لما تسببه من أضرار للآخرين، بل وتقوم بتصميم الضرر وتخطيطه لكي يكون أكثر تأثيراً وعمقاً وردعاً لردات الفعل غير المحسوبة. وتنظر إلى ضررها الذاتي مصدر قوة لها.
رابعاً: البراغماتية القاتلة، وهي التي تفتك بالآخرين وتستأصلهم ولا تتردد في جرف الطريق أمامها، بغض النظر عمن يسير عليه، حتى تصل لأهدافها وتحقق وحشيتها في أقسى وأقصى صورها.

وإذا كنت عنونت هذه المقالة بـ “البراغماتيات القاتلة”، فذلك لأشير إلى كتاب أمين معلوف “الهويات القاتلة” ربطاً مني بين هذه البراغماتيات والهوية. فهذه البراغماتيات على تنوعها وتدرّج ضررها ووحشيتها تشكّل “هوية شرسة” لأصحابها لا استغناء عنها. بل يصبحون يحسون بها ويعيشونها، على مرّ الزمن والدُربة، كأنها الهوية الوحيدة التي لا يمكنهم التنفس دونها، وفي النهاية تصبح كذلك.
ولا أستطيع أن أرى في هذه البراغماتيات ما يمكن أن نوصّفه بالـ “مرض” الذي نحاول له علاجاً أو لأعراضه. وأكثر ما أخشاه، بل أجدني أقرب إلى الاقتناع، أنها هويات “متطورة” تناسلت عن “براغماتيات صغيرة” ووجدت البيئات المناسبة لها في مجتمعاتنا العربية، وتجمعاتنا الوظيفية والاجتماعية والتفاعلية اليومية والسياسية بالطبع، لتصبح بعد ذلك هويات أساسية، لا يمكن دونها فهم مختلف الحراكات حولنا وجدلياتها.
كما أرى أن هذه “البراغماتيات الصغيرة” قد وجدت من يحفزها ويضع لها العوامل الكيماوية المساعدة حتى تقوم بما يساعد مختلف البراغماتيات من حولها على تنفيذ ما تريد. وهذا جعل منها بعد ذلك براغماتيات متضخمة ومترابطة، لكأنها شبكة متينة من البراغماتيات تتطور وتتضخم في الاتجاهات كلها على شكل مصفوفة خطيرة تصل العقول قبل الأجسام، وتتغلغل في الأفكار والمشاعر.
وهنا يكمن الخطر الأساسي الذي يجب أن ننتبه له بشكل كبير إذا كنا بالفعل نهدف في مجتمعاتنا وحراكاتنا الفكرية والثقافية والتربوية والتنويرية المتعددة للوصول إلى وعي متقدم، جمعي وفردي. فالتقدم والإصلاح اللذين ننشد، سيظلان يسيران بخطى بطيئة ما لم يكن هناك نظر عميق وعلمي في هذه المصفوفة العميقة من “البراغماتيات القاتلة”، والعمل على تفكيكها ونزع أنيابها.

* كاتب وإعلامي

http://www.ammonnews.net/article/313474

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s