Category: الفكر

حادثة زليخة وبنية التفكير الجمعي المتوتّر

Zula

مروان الحسيني

أقف دوماً إلى جانب الكلمة الحرة العقلانية. تلك الكلمة الجريئة المنفتحة على التفكير النقدي الواضح والأدلة العلمية الراسخة. وهو في رأيي تفكير لا يزال غير فاعل كثيراً في سياقاتنا العربية، وإن كان كثيرون يرفعون لواءاته.

أقرأ مقالات لعديد من الكتّاب والمفكّرين العرب والأردنيين الذين يضعون أنفسهم في بلّورة التفكير النقدي، أو يقاربونها، وأجد في مقالاتهم ما يجدر الانتباه إليه وتطويره إذا ما شاء أحد أن يؤسس لحالة نقدية تفاعلية مثمرة بعيدة عن الأضداد ولغة الـ “نحن” والـ “هم”، وبعيداً كذلك عن ثقافة الهجوم والهجوم المضاد، وأساليب الاستفزاز الشعوري المتنوعة. (more…)

لا تبحثوا عن الحرية

Thaqafat1

السعي إلى الحرية أو البحث عنها هو عبودية في حدّ ذاته. لأن من يسعى إلى الحرية أو يبحث عنها، ويبذل مجهوداً وتعباً في سبيل ذلك، يظل مقيّداً في هذا المسعى الذي يجعله محصوراً في هذا الهدف لا يرى غيره. كما أن من يبحث عن الحرية قد ينطلق من إدراك خاطىء بأن الحرية تُكتشف ويعثر عليها ويتم الوصول إليها. وهو بهذا يرى أن الحرية نقطة يجب الوصول إليها، وبالتالي يضعها في رتبة أي هدف آخر يمكن أن يسعى إليه الإنسان، وعندما يصل إليه ويحققه، يبدأ بالبحث عن هدف آخر يحققه.
وعندما تكون الحرية نقطة يجب الوصول إليها فإن المرء في حركته تجاهها يلتزم بخط السير الذي يربطه بها. قد يعتقد أنه حر في فعل ما يريد كي يصل إلى الحرية التي يريد، لكن ما يحدث هو أنه يقيد نفسه أكثر وأكثر في طريقه نحو فكرة متخيلة عن الحرية. ويقيّد نفسه أكثر بقيود الحركة نفسها في اتجاه واحد يعتبره أو يتصوره الهدف.

(المزيد)

سوشيال ميديا بدون أوكسجين

المشكلة في عبارات التفاؤل والإيجابية ورفع الروح المعنوية والحكم والنصائح التي تحث على التعامل مع الحياة بكل حرارة، وهي العبارات والحكم التي نعجب بها يومياً عبر الفيسبوك أو التويتر، وغيرهما من منصات الإعلام الاجتماعي (السوشيال ميديا)، ونتشارك بها مع أصدقائنا وتحظى بنسبة عالية من المشاركة عند الجميع،،، مشكلتها أنها لا تصلح لنا في محاولاتنا الحثيثة لتطبيقها في سياقاتنا العربية رغم أننا نؤمن بها نظرياً على الأقل.

كثير من هذا العبارات يتلخص في نصيحة: “كن أنت نفسك”.

كيف يكون الواحد منّا نفسه في سياق عربي منفصم ومليء بالتناقضات السياسية والاجتماعية والفكرية، وفي بيئة تتطلب من المرء أن يكون في كل دقيقة أي شيء أو أي شخص إلا نفسه.

نصيحة أخرى تتلخص في معنى أنك في النهاية ستجني ثمار عملك.

كيف يكون هذا صحيحاً، والواحد منا يقضي سنوات في “الحراثة” والتعب والاجتهاد وتطوير القدرات، وفي النهاية لا يجني الثمار إلا ابن فلان أو من كانت واسطته فلان أو من يدور في فلك فلان دون تعب أو كد أو إعمال للعقل والخيال.

وعديد هذه العبارات يصب في معنى أن: عليك أن تكون هادئاً مهما حصل لك وأن تركز على قيم الخير والمحبة والجمال والدنيا ستمنحك في النهاية ما تستحقه. كيف هذا ونحن نرى الدنيا عبر سنوات وسنوات لا تبتسم ولا تفيض إلا على من كان ذا فساد أو خلق أعوج، وعلى أصحاب الشر والكراهية والقبح.

الإيجابية أمر صحي لا غبار عليه ونؤمن بها (نظرياً). لكنها لا تنمو، ولن تنمو، دون بيئة تفهمها وترعاها في كل لحظة. أما في البيئة التي تعاديها وتقتلها في كل لحظة فإنها لن تكون سوى فكرة مشوّهة غائمة، لا نملك إلا أن نثرثر بها مجرد ثرثرة.

خلاصة القول، مهما فعلنا ومهما كنّا إيجابيين وأصحاب طاقات في هذه البيئة العربية فإن ثمة من يقتلنا في كل لحظة بأسلوب بسيط وهو: قطع الأوكسجين عن أنفاسنا الإيجابية وجعلنا نتنفس الهراء.

الإيجابية بذرة قوية تحتاج إلى تربة نظيفة وماء نظيف وهواء نظيف كي تنمو في داخلنا وحولنا، والبيئة العربية بعيدة كل البعد عن هذه الشروط. لهذا ستظل العبارات جميعها التي نتداولها مجرّد فقاعات نلهو بها في محاولة منا لنسيان العفن الذي يعشش واقعنا العربي.

لم ألعن الظلام بل أشعلت مئات الشموع، لكنها كلها أحرقت أصابعي.

الحرية في اللحظة الراهنة

الماضي لا يعود، لأنه لا يغادر. فهو ليس ماضياً. إنه تجربة اللحظة الراهنة التي نقوم بتحويلها إلى حزم من الطاقة والمعلومات، نحملها معنا، وتظل معنا في لحظاتنا الراهنة. الماضي مجرد تعبير عن تجربة لا عن زمان. يتغير شكله لكن جوهره يبقى كما هو محمولاً في أرواحنا وفي أجسادنا وفي عقولنا.

والمستقبل كذلك، ليس سوى لحظة راهنة نعيشها ونقوم بتحويلها إلى حزم من الطاقة والمعلومات. وهو ليس زمناً مقبلاً بل مجرد تعبير عن تجربة راهنة نعيشها بشكل مختلف. وشكل المستقبل هو المتغير، أما جوهره فمحمول في كينونتنا: أجساداً وأرواحاً وعقولاً.

إن من يصل إلى الإحساس باللحظة الراهنة كما هي – أي متحررةً من الماضي والمستقبل كمفهومين زمانيين – يصل إلى لحظة الحرية الخالصة، لحظة الطبيعة النقية التي هي نقطة بداية الخلق وأبديته. إنها لحظة الوجود الفعلي الذي يشعر بوجوده من خلال وجوده فقط، وليس من خلال ارتباطه بمفاهيم ومسميات بشرية زمانية ومكانية.

التحرر من مفاهيمنا التقليدية للماضي والمستقبل، وتركيزنا الطبيعي على اللحظة الراهنة، يخلصنا من الكثير من هموم الحياة المعاصرة وقلقها. وهي هموم تشكّلت بسبب التشبث الإنساني بمعانٍ غائمةٍ لمفاهيم الماضي والحاضر والمستقبل، بل والحياة أيضاً.

في لحظة تفكير صافية وبسيطة بالمعنى المريح للحظة الراهنة يمكننا أن نزيل عن ظهورنا جبالاً من هموم التفكير المعاصر. يمكننا بهذه الطريقة أن نصل إلى الإحساس الحقيقي بأنفسنا كما نريد نحن، لا كما تريد لنا الحياة المعاصرة التي تتداخل فيها عوامل كثيرة تجعلها حياة صعبة ومرهقة.

الوعي باللحظة الراهنة هو بداية الوعي بحقيقة النفس ووجودها. إنه وعي خالص متخلص من قيود الزمن بأشكاله المختلفة: ماضية ومستقبلية وحاضرة. هو وعي مستمر بلحظة راهنة لا تنقطع. وعي لا غاية له سوى الوجود لنفسه لا لمكتسبات ومسميات حياتية مرهقة ومتعبة ومقلقة.

من أراد أن يرتاح، عليه أن يعي نفسه في لحظتها الراهنة، وأن ينفض عنها غبار الزمان والمكان.

مروان الحسيني

التشخيص مقابل التخصيص

مروان الحسيني *

يضطر كثير من الكتاب العرب إلى توضيح أنفسهم في بداية بعض المقطوعات التي يكتبونها: “يجب أن أقول أنني لا أدافع عن هذا الشخص”. “في البداية، من الأفضل أن أوضح أنني لا أهاجمه”. “ليس المقصود هنا أنني ضد الحكومة”. “هذه ليست مقالة مؤيدة للحكومة”… والأمثلة كثيرة.

فما هي العوامل التي تجعلنا، ككتّاب، نثبّت مثل هذه التوضيحات في كتاباتنا؟ ما الذي يدفعنا نحو إضافة هذه الكلمات؟ أي ثقافة وأي عقلية؟ هل هو الخوف من إساءة الفهم أو إساءة التقييم أو إساءة القراءة؟

أشعر في بعض الأحيان أن ثقافاتنا في العالم العربي مبنية فقط على طرفي نقيض: المديح والهجاء. فإذا ما كتبتُ عن بعض الأخطاء التي يقترفها شخص ما، فأنا إذن ضده. وإذا ما ذكرتُ بعض المواقف الإيجابية لشخص آخر، فأنا مؤيد له بالكامل.

إن مثل هذه التفسيرات والتأويلات من قبل أغلبية من القراء هي نتاج “عقليات التشخيص” أو الشخصنة. فمعظمهم يركّز على الأشخاص وليس على الأفكار. فتضيع الموضوعية وسط ضباب كثيف من إساءة القراءة أو ربما عدم القراءة نهائياً.

يُستخدم “التخصيص” (Personalization) (والكلمة نفسها بالإنجليزية تعني التشخيص أيضاً) عادةً ليعني تكييف صفحات وبرامج المواقع الإلكترونية وفقاً لاهتمامات واحتياجات الفرد المُستخدم من أجل تسهيل حياته واستخداماته الإلكترونية. أما التشخيص (Personalization) في ثقافاتنا فيعني أن الأمزجة والمواقف الشخصية تسيطر على كل شيء في حياتنا.

لقد حصلت إحدى مقالاتي السابقة على عدد متواضع من التعليقات عبر أحد المواقع الإلكترونية. وقد انصب معظم التعليقات على صورتي المنشورة مع المقالة، إذ ظنّ المعلقون أنها صورة الشخص الذي كنت أتحدث عن فنّه من أجل إيضاح فكرتي الأساسية. وقد نال كلانا نصيبه من الهجاء: أنا لأنني مدحتُ إبداعه، وهو لكونه هو. على أية حال، لم يناقش أحد الأفكار الرئيسية في المقالة.

نتيجة لمثل هذه العقليات، يتم إصدار الأحكام المسبقة على الكتّاب وليس مناقشتهم. وفي السياق الاجتماعي، يُعتبر التشخيص تياراً سائداً أيضاً. لا يتم مدح المرء لمهاراته أو أفكاره أو إنجازاته أو إبداعه وذكائه. بل إن العلاقات والروابط والأمزجة الشخصية هي التي تسيطر على عمليات التصنيف الاجتماعي.

هذا هو السبب وراء شعور العديد من الكتّاب أنه من الضروري توضيح أنهم لا يكتبون استناداً إلى مواقف شخصية. فهم متأكدون بأنه ستتم إساءة الحكم عليهم وإساءة تصنيفهم من قبل العديد من القراء الذين يقومون بتشغيل آلات التشخيص عند القراءة. فهل هي أزمة ثقة أم تركيبة معقدة من العوامل التاريخية والنفسية والاجتماعية؟ يذهب كثير من التحليلات إلى ما هو أبعد من مجرّد حقيقة سوء التفسير أو التأويل.

إن الثقافة التي تستند إلى إحساس قوي بالمديح والهجاء تتوقع من أي كاتب أن يعمل ضمن هاتين الحافتين. ولا يتم السماح بالحواف الأخرى. ويتم تجاهل التحليل الموضوعي بينما يتم تفعيل إساءة التقييم. لهذا فإن “التشخيص” يصبح المعيار الرئيسي لبناء أي مقاربة نحو الأفراد.

بخلاف “التخصيص” في الفضاء الإلكتروني، فإن “التشخيص” في الحياة الاجتماعية العربية لا يقوم بتسهيل الحياة. الكتابة، بوصفها نشاطاً اجتماعياً، محكوم عليها بالفشل منذ البداية. والإبداع محكوم أيضاً بمنظورات شخصية ضيقة.

إذا ما قام المرء بـ”تخصيص” كتاباته لتناسب أطر المواقف المشخصَنة للآخرين يكون وقتها كاتباً قوياً. أما إذا اختار المهمة الصعبة للتفكير والتحليل الموضوعي فيتم عندئذ تجاهله “لأسباب شخصية”.

* إعلامي وباحث في شؤون الأديان والثقافات

الهويات المعزولة بين النقد والرفض والإصلاح

مروان الحسيني *

كنت محظوظاً أن أتيحت لي فرصة التواصل مع اثنين من الأساتذة الأكاديميين والمفكرين الثوريين العالميين. كلاهما متوفى الآن. فقد توفي محمد أركون في أيلول عام 2010. وتوفي كمال الصليبي في أيلول عام 2011. وكان كلاهما في الثانية والثمانين من العمر عندما غادرا عالمنا. لقد عرفت الكثير عن الإسلام من خلال الصليبي الذي كان مسيحياً. وعرفت الكثير عن المسيحية من خلال أركون الذي كان مسلماً. كما عرفت الكثير عن آليات التفكير النقدي والكتابة العلمية الموضوعية من خلال الرجلين.

عندما كنت أعمل عن قرب مع الصليبي في عمّان على مشاريع ذات علاقة بالحوارات الدينية والثقافية، قرأتُ أغلب أعمال أركون. وأُخذتُ بمشروع عمره الفكري “نقد العقل الإسلامي”. لقد تعرّفت تقريباً إلى كل جزء من أجزاء نبضه الفكري قبل أن ألتقيه عام 2007.

ساعدتُ الصليبي في كتابة مذكراته “طائر على سنديانة” وأصبحت المحرر الرسمي للكتاب. كما اعتدت أن أترجم له بين اللغتين العربية والإنجليزية في أعمال أكاديمية يومية. وقد غادر عمّان في نهاية كانون الأول عام 2003. واستمرت الصلة بيننا عبر البريد الإلكتروني والفيسبوك (كان عمره وقتها اثنتين وسبعين سنة).

لا أكتب هذه المقالة فقط لأقول أنني عرفت هذين الأستاذين. لقد كانا معلّمين عظيمين بالنسبة لي وقد استفدت منهما الكثير على المستوى الفكري. لكنهما ينتميان إلى ما أسميه “الهويات المعزولة”. لقد كانا مفكّرينِ تم رفض أعمالهما من قبل دوائر عربية وإسلامية واسعة، وتعرضا لهجمات سياسية بسبب جهودهما في الحفر المعرفي في التاريخ والمعرفة والفكر. لقد نقّبا وكشفا عن طبقات معرفية جديدة من شأنها الوصول إلى فهم أفضل للتاريخين المسيحي والإسلامي. ومع ذلك هوجم الاثنان لأسباب أيديولوجية.

تعني “الهويات المعزولة” في العالم العربي أن التفكير العلمي يقود إلى الرفض والتمييز ثم العزل. لم ينظر هذان الرجلان إلى المفاهيم السائدة بوصفها من المسلّمات. لقد تحدّيا بشكل علمي حقائق ذات جذور عميقة وقاما بتثوير طرق النظر إلى تاريخي المسيحية والإسلام والتعامل معهما. وقد تعرضت أعمالهما الفكرية والعلمية إلى عمليات طويلة من العزل والتعمية والتشويه.

إن البنية العقلية التي تعتمد النقد أو إعادة التفكير تواجه دائماً آليات الرفض في المنطقة العربية. هكذا أنظر للأمر وهكذا أعيشه. فأركون والصليبي يتم تذكرهما في بعض المناسبات وفي دوائر محدودة، رغم أنهما استهلكا عمريهما في مشاريع فكرية ضخمة ذات أهمية كبيرة للبشرية.

بالنسبة للرجلين، الأيديولوجيا والمصالح أو الأجندات الخاصة هي التي تقتل التفكير العلمي والنقدي. في بعض الأحيان، كنت أمضي أنا والصليبي يوماً بأكمله في كتابة وتحرير وإعادة كتابة وإعادة تحرير فقرة واحدة تتألف من سطور قليلة. وفي اليوم التالي كان يلغي الفقرة بأكملها لأن “البعض قد يسمع فيها صدى لأيديولوجيا بعيدة”. هكذا تعوّد أن يبرر لي الإلغاء. وكان يقول “لا أريد أن أُغضب أحداً لأن الكتابة العلمية والموضوعية يجب أن تكون نقية مثل الضوء”. بالنسبة إليه، يجب على الفكرة العلمية أن تقدّم نفسها بنفسها.

أما أركون فتحدث عن “استراتيجية الرفض” التي هي نتيجة سجن العقل من قبل الأيديولوجيا. بالنسبة إليه، الأيديولوجيا هي الجهل، وعندما يكون العقل مسجوناً بالجهل فإنه يستخدم الرفض لإطفاء الفكر المتنور.

لقد كان الحزن هو النتيجة الأخيرة في عقل كلٍّ من الصليبي وأركون. عندما شاهدته لآخر مرة، غادر الصليبي إلى بيروت والحزن هو اللون الذي كان يسكن عينيه. وشاهدت اللون نفسه في عيني أركون الذي تحدث إليّ بحسرة عن “أولئك الذين يصرون على عدم الإصغاء”.

عندما يصبح الجهل هو الأيديولوجيا السائدة، فما هي أفضل صيغ علامات الهوية التي يجب على المفكرين التركيز عليها: النقد، الرفض أم الإصلاح؟

* إعلامي وباحث في شؤون الأديان والثقافات