Category: الهوية

لا تبحثوا عن الحرية

Thaqafat1

السعي إلى الحرية أو البحث عنها هو عبودية في حدّ ذاته. لأن من يسعى إلى الحرية أو يبحث عنها، ويبذل مجهوداً وتعباً في سبيل ذلك، يظل مقيّداً في هذا المسعى الذي يجعله محصوراً في هذا الهدف لا يرى غيره. كما أن من يبحث عن الحرية قد ينطلق من إدراك خاطىء بأن الحرية تُكتشف ويعثر عليها ويتم الوصول إليها. وهو بهذا يرى أن الحرية نقطة يجب الوصول إليها، وبالتالي يضعها في رتبة أي هدف آخر يمكن أن يسعى إليه الإنسان، وعندما يصل إليه ويحققه، يبدأ بالبحث عن هدف آخر يحققه.
وعندما تكون الحرية نقطة يجب الوصول إليها فإن المرء في حركته تجاهها يلتزم بخط السير الذي يربطه بها. قد يعتقد أنه حر في فعل ما يريد كي يصل إلى الحرية التي يريد، لكن ما يحدث هو أنه يقيد نفسه أكثر وأكثر في طريقه نحو فكرة متخيلة عن الحرية. ويقيّد نفسه أكثر بقيود الحركة نفسها في اتجاه واحد يعتبره أو يتصوره الهدف.

(المزيد)

Advertisements

الحرية في اللحظة الراهنة

الماضي لا يعود، لأنه لا يغادر. فهو ليس ماضياً. إنه تجربة اللحظة الراهنة التي نقوم بتحويلها إلى حزم من الطاقة والمعلومات، نحملها معنا، وتظل معنا في لحظاتنا الراهنة. الماضي مجرد تعبير عن تجربة لا عن زمان. يتغير شكله لكن جوهره يبقى كما هو محمولاً في أرواحنا وفي أجسادنا وفي عقولنا.

والمستقبل كذلك، ليس سوى لحظة راهنة نعيشها ونقوم بتحويلها إلى حزم من الطاقة والمعلومات. وهو ليس زمناً مقبلاً بل مجرد تعبير عن تجربة راهنة نعيشها بشكل مختلف. وشكل المستقبل هو المتغير، أما جوهره فمحمول في كينونتنا: أجساداً وأرواحاً وعقولاً.

إن من يصل إلى الإحساس باللحظة الراهنة كما هي – أي متحررةً من الماضي والمستقبل كمفهومين زمانيين – يصل إلى لحظة الحرية الخالصة، لحظة الطبيعة النقية التي هي نقطة بداية الخلق وأبديته. إنها لحظة الوجود الفعلي الذي يشعر بوجوده من خلال وجوده فقط، وليس من خلال ارتباطه بمفاهيم ومسميات بشرية زمانية ومكانية.

التحرر من مفاهيمنا التقليدية للماضي والمستقبل، وتركيزنا الطبيعي على اللحظة الراهنة، يخلصنا من الكثير من هموم الحياة المعاصرة وقلقها. وهي هموم تشكّلت بسبب التشبث الإنساني بمعانٍ غائمةٍ لمفاهيم الماضي والحاضر والمستقبل، بل والحياة أيضاً.

في لحظة تفكير صافية وبسيطة بالمعنى المريح للحظة الراهنة يمكننا أن نزيل عن ظهورنا جبالاً من هموم التفكير المعاصر. يمكننا بهذه الطريقة أن نصل إلى الإحساس الحقيقي بأنفسنا كما نريد نحن، لا كما تريد لنا الحياة المعاصرة التي تتداخل فيها عوامل كثيرة تجعلها حياة صعبة ومرهقة.

الوعي باللحظة الراهنة هو بداية الوعي بحقيقة النفس ووجودها. إنه وعي خالص متخلص من قيود الزمن بأشكاله المختلفة: ماضية ومستقبلية وحاضرة. هو وعي مستمر بلحظة راهنة لا تنقطع. وعي لا غاية له سوى الوجود لنفسه لا لمكتسبات ومسميات حياتية مرهقة ومتعبة ومقلقة.

من أراد أن يرتاح، عليه أن يعي نفسه في لحظتها الراهنة، وأن ينفض عنها غبار الزمان والمكان.

مروان الحسيني

توقيف الخصوصية على ذمة الأوعية الاجتماعية

مروان الحسيني *

أسئلة كثيرة تتعلق بالأديان تظل تدور في ذهني كلما فكرت بالرابط بين المقدس وغير المقدس في سياق اجتماعي. وأحد هذه الأسئلة له علاقة بالثقافة والتمثيل الاجتماعي للفرد.

في هذا الجزء من العالم، لا يعتبر الدين، وغيره من مكونات الهوية الفردية، أمراً شخصياً. إن نطاق الخصوصية الذي يفترض به أن يقيّد الوصول إلى الفضاءات الخاصة للمرء من قبل الآخرين هو منطقة هشة في هذا الخصوص. وهذا مظهر قوي من مظاهر ثقافتنا الشرقية.

صحيح أنه في بعض الأحيان يسيطر البعد الجمعي على البعد الفردي داخل هذه الثقافة، لكن هذا لا يعني أنه أمر يمكن تبريره. تقف أسباب عديدة وراء حقيقة أن حضور الفردية ضعيف في مجتمعاتنا. فبعض السلوكات الفردية التي ترتبط بالدين يتم تذويبها داخل أوعية اجتماعية. وهذا هو السبب في أن العديد من الفضاءات الاجتماعية في العالم العربي تركّز أكثر على الشعائر والطقوس.

عندما أفكر بالأديان في سياق اجتماعي فإنني عادة أسأل نفسي: هل الدين بُنية موروثة أم هو سلوك مُكتسب؟ هل هو تأثير أم خبرة؟ فعلٌ أم ردّ فعل؟ نصٌ أم سياق؟ لا أتحدث هنا عن الدين بوصفه مجموعة من التعاليم والإرشادات. كما أنني لا أتحدث عنه بوصفه ممارسة روحية. ما يهمني أكثر هنا هو كيفية استيعابنا، كأفراد، للدين على المستوى الشخصي. كيف يمكن للدين أن يصبح موقفاً شخصياً بالكامل؟

الخصوصية ليست كلمة ذات شعبية في ثقافتنا. كما أنها ليست شعوراً ذا شعبية واسعة. إنها تنتمي إلى مكونات الهوية الفردية التي يتم تذويبها في الأوعية الاجتماعية المختلفة. وأي مثال شخصي على الممارسة الدينية هو عادةً مشتق من الممارسة الجمعية الأوسع.

الدين ليس مُلكية شخصية في الشرق الأوسط. إنه مُلكية تُدار من قبل المجتمع أو الدولة أو الجماعات السياسية. الإدارة الاجتماعية الجمعية للدين هي تيار سائد في البلاد العربية. أما إدارة الدولة للدين فهي واضحة جداً في السعودية وإسرائيل. وتُعتبر مصر ولبنان مثالين واضحين على الإدارة السياسية للأديان.

عندما كنت أكتب هذه المقالة، علمتُ بقضية فيفيان حنا سلامة؛ أمرأة أردنية مسيحية يُقال أنه تم إنهاء خدماتها من قبل البنك الذي تعمل فيه بعد رفضها تغطية رأسها خلال ساعات العمل. لقد قضت خمسة وعشرين عاماً في خدمة أحد البنوك الأردنية قبل أن يشتريه بنك آخر. وقد أنهت الإدارة الجديدة خدماتها على أساس أنها رفضت الالتزام بالزي الرسمي الجديد الذي يتضمن غطاءً للرأس. ومن خلال قراءة التعليقات المختلفة على هذا الموضوع عبر الفيسبوك، علمتُ بقضايا مشابهة لنساء مسلمات أجبرن على ترك وظائفهن بسبب أنهن يرتدين غطاء الرأس.

مهما كانت سياسات البنوك أو الشركات في هذا الصدد، من الواضح أن الهيمنة الجمعية قد قامت بقمع الهويات الفردية في هذه الحالات. فقد رفضت هذه الهويات أن تخسر جزءاً من علاماتها الفردية وأن تذوب في أوعية اجتماعية أو مؤسسية.

واحدة من الكلمات التي راجت مؤخرا في الإعلام الأردني هي كلمة “توقيف”. لقد تم استخدامها في سياقات مرتبطة بقضايا مكافحة الفساد وإدراة عمليات الإصلاح في الأردن. عند الحديث عن العلاقة بين الفرد والدين في منطقتنا لا يمكننا العثور على كلمة “خصوصية” في القاموس الاجتماعي. فقد تمّ توقيفها على ذمة الأوعية الاجتماعية لأسباب معقّدة.

* إعلامي وباحث في شؤون الأديان والثقافات