Category: حوار الثقافات

التشخيص مقابل التخصيص

مروان الحسيني *

يضطر كثير من الكتاب العرب إلى توضيح أنفسهم في بداية بعض المقطوعات التي يكتبونها: “يجب أن أقول أنني لا أدافع عن هذا الشخص”. “في البداية، من الأفضل أن أوضح أنني لا أهاجمه”. “ليس المقصود هنا أنني ضد الحكومة”. “هذه ليست مقالة مؤيدة للحكومة”… والأمثلة كثيرة.

فما هي العوامل التي تجعلنا، ككتّاب، نثبّت مثل هذه التوضيحات في كتاباتنا؟ ما الذي يدفعنا نحو إضافة هذه الكلمات؟ أي ثقافة وأي عقلية؟ هل هو الخوف من إساءة الفهم أو إساءة التقييم أو إساءة القراءة؟

أشعر في بعض الأحيان أن ثقافاتنا في العالم العربي مبنية فقط على طرفي نقيض: المديح والهجاء. فإذا ما كتبتُ عن بعض الأخطاء التي يقترفها شخص ما، فأنا إذن ضده. وإذا ما ذكرتُ بعض المواقف الإيجابية لشخص آخر، فأنا مؤيد له بالكامل.

إن مثل هذه التفسيرات والتأويلات من قبل أغلبية من القراء هي نتاج “عقليات التشخيص” أو الشخصنة. فمعظمهم يركّز على الأشخاص وليس على الأفكار. فتضيع الموضوعية وسط ضباب كثيف من إساءة القراءة أو ربما عدم القراءة نهائياً.

يُستخدم “التخصيص” (Personalization) (والكلمة نفسها بالإنجليزية تعني التشخيص أيضاً) عادةً ليعني تكييف صفحات وبرامج المواقع الإلكترونية وفقاً لاهتمامات واحتياجات الفرد المُستخدم من أجل تسهيل حياته واستخداماته الإلكترونية. أما التشخيص (Personalization) في ثقافاتنا فيعني أن الأمزجة والمواقف الشخصية تسيطر على كل شيء في حياتنا.

لقد حصلت إحدى مقالاتي السابقة على عدد متواضع من التعليقات عبر أحد المواقع الإلكترونية. وقد انصب معظم التعليقات على صورتي المنشورة مع المقالة، إذ ظنّ المعلقون أنها صورة الشخص الذي كنت أتحدث عن فنّه من أجل إيضاح فكرتي الأساسية. وقد نال كلانا نصيبه من الهجاء: أنا لأنني مدحتُ إبداعه، وهو لكونه هو. على أية حال، لم يناقش أحد الأفكار الرئيسية في المقالة.

نتيجة لمثل هذه العقليات، يتم إصدار الأحكام المسبقة على الكتّاب وليس مناقشتهم. وفي السياق الاجتماعي، يُعتبر التشخيص تياراً سائداً أيضاً. لا يتم مدح المرء لمهاراته أو أفكاره أو إنجازاته أو إبداعه وذكائه. بل إن العلاقات والروابط والأمزجة الشخصية هي التي تسيطر على عمليات التصنيف الاجتماعي.

هذا هو السبب وراء شعور العديد من الكتّاب أنه من الضروري توضيح أنهم لا يكتبون استناداً إلى مواقف شخصية. فهم متأكدون بأنه ستتم إساءة الحكم عليهم وإساءة تصنيفهم من قبل العديد من القراء الذين يقومون بتشغيل آلات التشخيص عند القراءة. فهل هي أزمة ثقة أم تركيبة معقدة من العوامل التاريخية والنفسية والاجتماعية؟ يذهب كثير من التحليلات إلى ما هو أبعد من مجرّد حقيقة سوء التفسير أو التأويل.

إن الثقافة التي تستند إلى إحساس قوي بالمديح والهجاء تتوقع من أي كاتب أن يعمل ضمن هاتين الحافتين. ولا يتم السماح بالحواف الأخرى. ويتم تجاهل التحليل الموضوعي بينما يتم تفعيل إساءة التقييم. لهذا فإن “التشخيص” يصبح المعيار الرئيسي لبناء أي مقاربة نحو الأفراد.

بخلاف “التخصيص” في الفضاء الإلكتروني، فإن “التشخيص” في الحياة الاجتماعية العربية لا يقوم بتسهيل الحياة. الكتابة، بوصفها نشاطاً اجتماعياً، محكوم عليها بالفشل منذ البداية. والإبداع محكوم أيضاً بمنظورات شخصية ضيقة.

إذا ما قام المرء بـ”تخصيص” كتاباته لتناسب أطر المواقف المشخصَنة للآخرين يكون وقتها كاتباً قوياً. أما إذا اختار المهمة الصعبة للتفكير والتحليل الموضوعي فيتم عندئذ تجاهله “لأسباب شخصية”.

* إعلامي وباحث في شؤون الأديان والثقافات

Governments’ ‘fuel-centric’ policies

by Marwan Al Husayni | May 31,2012 | 22:42

Facebook is as popular in Jordan as it is everywhere. It is a leading forum through which popular moods and trends can be examined. Yet, it is not a deep-rooted part of the wider popular culture in the country, though it is a phenomenon. Twitter, YouTube, Google and other online social media have strong presence among a good number of Jordanians.

One of the secrets behind the popularity of social media is that they allow anyone easy and powerful connection through virtual reality. To move and to connect with others is a human need and a social energy. These media are a good tool to gauge public mood.

Another way to measure and control the public mood in Jordan is gas stations. Fuel is not only a source for energy; it is an inherent component of our daily life that enables us to move and connect.

Like social media, gas stations are popular and visited daily by large numbers of people. In Jordan they have a “governmental” flavour. Each new government starts with “fuel-centric” policies or measurements in an attempt to heal the country’s ailing economy. Each raise in the prices of fuel means less movement for the people. Less movement in this case means less social connectivity, which is anti-human.

It is an undisputed fact that man is a social being by nature. This is why our governments need to shift to human-centric policies and measurements in order to succeed in building a strong economy.

The Arabic word usually used in Jordan for “fuel” is “mahrooqat”. Mahrooqat literally means “burnt materials”. While the engines of cars and other vehicles burn these materials to run and make people move and connect fast in their daily engagements, social engines do not run on “burnt policies”. They need human- and public-based measurements to keep running.

It is not a matter of virtual reality versus real world that is implied in these lines. Governments in general are responsible for facilitating the movement of money, goods and people internally and across borders. It is their duty also to facilitate the movement of social and human factors. Obstructing that, whatever the reason, does not contribute positively to the long and hard processes of reform. Maintaining harmonious methods for operating social engines, on the contrary, adds to the well-being of people, economy and the state.

It is in the interest of the government to alleviate the economic pressure on the social components of the state.

Maybe I am theorising in this context or am not close enough to the mechanisms of running governmental engines in Jordan. But what is common sense in this respect is that any lack of strategic, well-researched and well-designed policies will worsen all kinds of economic, social and even political ailments.

Hard times do not need hard decisions, they need strategic thinking. Moving from “fuel-centric” to human-centric strategies is a first step, for any government, towards real and virtual movement and connectivity of human beings.

The writer is a media strategist, interfaith and intercultural specialist. He contributed this article to The Jordan Times.

توقيف الخصوصية على ذمة الأوعية الاجتماعية

مروان الحسيني *

أسئلة كثيرة تتعلق بالأديان تظل تدور في ذهني كلما فكرت بالرابط بين المقدس وغير المقدس في سياق اجتماعي. وأحد هذه الأسئلة له علاقة بالثقافة والتمثيل الاجتماعي للفرد.

في هذا الجزء من العالم، لا يعتبر الدين، وغيره من مكونات الهوية الفردية، أمراً شخصياً. إن نطاق الخصوصية الذي يفترض به أن يقيّد الوصول إلى الفضاءات الخاصة للمرء من قبل الآخرين هو منطقة هشة في هذا الخصوص. وهذا مظهر قوي من مظاهر ثقافتنا الشرقية.

صحيح أنه في بعض الأحيان يسيطر البعد الجمعي على البعد الفردي داخل هذه الثقافة، لكن هذا لا يعني أنه أمر يمكن تبريره. تقف أسباب عديدة وراء حقيقة أن حضور الفردية ضعيف في مجتمعاتنا. فبعض السلوكات الفردية التي ترتبط بالدين يتم تذويبها داخل أوعية اجتماعية. وهذا هو السبب في أن العديد من الفضاءات الاجتماعية في العالم العربي تركّز أكثر على الشعائر والطقوس.

عندما أفكر بالأديان في سياق اجتماعي فإنني عادة أسأل نفسي: هل الدين بُنية موروثة أم هو سلوك مُكتسب؟ هل هو تأثير أم خبرة؟ فعلٌ أم ردّ فعل؟ نصٌ أم سياق؟ لا أتحدث هنا عن الدين بوصفه مجموعة من التعاليم والإرشادات. كما أنني لا أتحدث عنه بوصفه ممارسة روحية. ما يهمني أكثر هنا هو كيفية استيعابنا، كأفراد، للدين على المستوى الشخصي. كيف يمكن للدين أن يصبح موقفاً شخصياً بالكامل؟

الخصوصية ليست كلمة ذات شعبية في ثقافتنا. كما أنها ليست شعوراً ذا شعبية واسعة. إنها تنتمي إلى مكونات الهوية الفردية التي يتم تذويبها في الأوعية الاجتماعية المختلفة. وأي مثال شخصي على الممارسة الدينية هو عادةً مشتق من الممارسة الجمعية الأوسع.

الدين ليس مُلكية شخصية في الشرق الأوسط. إنه مُلكية تُدار من قبل المجتمع أو الدولة أو الجماعات السياسية. الإدارة الاجتماعية الجمعية للدين هي تيار سائد في البلاد العربية. أما إدارة الدولة للدين فهي واضحة جداً في السعودية وإسرائيل. وتُعتبر مصر ولبنان مثالين واضحين على الإدارة السياسية للأديان.

عندما كنت أكتب هذه المقالة، علمتُ بقضية فيفيان حنا سلامة؛ أمرأة أردنية مسيحية يُقال أنه تم إنهاء خدماتها من قبل البنك الذي تعمل فيه بعد رفضها تغطية رأسها خلال ساعات العمل. لقد قضت خمسة وعشرين عاماً في خدمة أحد البنوك الأردنية قبل أن يشتريه بنك آخر. وقد أنهت الإدارة الجديدة خدماتها على أساس أنها رفضت الالتزام بالزي الرسمي الجديد الذي يتضمن غطاءً للرأس. ومن خلال قراءة التعليقات المختلفة على هذا الموضوع عبر الفيسبوك، علمتُ بقضايا مشابهة لنساء مسلمات أجبرن على ترك وظائفهن بسبب أنهن يرتدين غطاء الرأس.

مهما كانت سياسات البنوك أو الشركات في هذا الصدد، من الواضح أن الهيمنة الجمعية قد قامت بقمع الهويات الفردية في هذه الحالات. فقد رفضت هذه الهويات أن تخسر جزءاً من علاماتها الفردية وأن تذوب في أوعية اجتماعية أو مؤسسية.

واحدة من الكلمات التي راجت مؤخرا في الإعلام الأردني هي كلمة “توقيف”. لقد تم استخدامها في سياقات مرتبطة بقضايا مكافحة الفساد وإدراة عمليات الإصلاح في الأردن. عند الحديث عن العلاقة بين الفرد والدين في منطقتنا لا يمكننا العثور على كلمة “خصوصية” في القاموس الاجتماعي. فقد تمّ توقيفها على ذمة الأوعية الاجتماعية لأسباب معقّدة.

* إعلامي وباحث في شؤون الأديان والثقافات

الهويات المعزولة بين النقد والرفض والإصلاح

مروان الحسيني *

كنت محظوظاً أن أتيحت لي فرصة التواصل مع اثنين من الأساتذة الأكاديميين والمفكرين الثوريين العالميين. كلاهما متوفى الآن. فقد توفي محمد أركون في أيلول عام 2010. وتوفي كمال الصليبي في أيلول عام 2011. وكان كلاهما في الثانية والثمانين من العمر عندما غادرا عالمنا. لقد عرفت الكثير عن الإسلام من خلال الصليبي الذي كان مسيحياً. وعرفت الكثير عن المسيحية من خلال أركون الذي كان مسلماً. كما عرفت الكثير عن آليات التفكير النقدي والكتابة العلمية الموضوعية من خلال الرجلين.

عندما كنت أعمل عن قرب مع الصليبي في عمّان على مشاريع ذات علاقة بالحوارات الدينية والثقافية، قرأتُ أغلب أعمال أركون. وأُخذتُ بمشروع عمره الفكري “نقد العقل الإسلامي”. لقد تعرّفت تقريباً إلى كل جزء من أجزاء نبضه الفكري قبل أن ألتقيه عام 2007.

ساعدتُ الصليبي في كتابة مذكراته “طائر على سنديانة” وأصبحت المحرر الرسمي للكتاب. كما اعتدت أن أترجم له بين اللغتين العربية والإنجليزية في أعمال أكاديمية يومية. وقد غادر عمّان في نهاية كانون الأول عام 2003. واستمرت الصلة بيننا عبر البريد الإلكتروني والفيسبوك (كان عمره وقتها اثنتين وسبعين سنة).

لا أكتب هذه المقالة فقط لأقول أنني عرفت هذين الأستاذين. لقد كانا معلّمين عظيمين بالنسبة لي وقد استفدت منهما الكثير على المستوى الفكري. لكنهما ينتميان إلى ما أسميه “الهويات المعزولة”. لقد كانا مفكّرينِ تم رفض أعمالهما من قبل دوائر عربية وإسلامية واسعة، وتعرضا لهجمات سياسية بسبب جهودهما في الحفر المعرفي في التاريخ والمعرفة والفكر. لقد نقّبا وكشفا عن طبقات معرفية جديدة من شأنها الوصول إلى فهم أفضل للتاريخين المسيحي والإسلامي. ومع ذلك هوجم الاثنان لأسباب أيديولوجية.

تعني “الهويات المعزولة” في العالم العربي أن التفكير العلمي يقود إلى الرفض والتمييز ثم العزل. لم ينظر هذان الرجلان إلى المفاهيم السائدة بوصفها من المسلّمات. لقد تحدّيا بشكل علمي حقائق ذات جذور عميقة وقاما بتثوير طرق النظر إلى تاريخي المسيحية والإسلام والتعامل معهما. وقد تعرضت أعمالهما الفكرية والعلمية إلى عمليات طويلة من العزل والتعمية والتشويه.

إن البنية العقلية التي تعتمد النقد أو إعادة التفكير تواجه دائماً آليات الرفض في المنطقة العربية. هكذا أنظر للأمر وهكذا أعيشه. فأركون والصليبي يتم تذكرهما في بعض المناسبات وفي دوائر محدودة، رغم أنهما استهلكا عمريهما في مشاريع فكرية ضخمة ذات أهمية كبيرة للبشرية.

بالنسبة للرجلين، الأيديولوجيا والمصالح أو الأجندات الخاصة هي التي تقتل التفكير العلمي والنقدي. في بعض الأحيان، كنت أمضي أنا والصليبي يوماً بأكمله في كتابة وتحرير وإعادة كتابة وإعادة تحرير فقرة واحدة تتألف من سطور قليلة. وفي اليوم التالي كان يلغي الفقرة بأكملها لأن “البعض قد يسمع فيها صدى لأيديولوجيا بعيدة”. هكذا تعوّد أن يبرر لي الإلغاء. وكان يقول “لا أريد أن أُغضب أحداً لأن الكتابة العلمية والموضوعية يجب أن تكون نقية مثل الضوء”. بالنسبة إليه، يجب على الفكرة العلمية أن تقدّم نفسها بنفسها.

أما أركون فتحدث عن “استراتيجية الرفض” التي هي نتيجة سجن العقل من قبل الأيديولوجيا. بالنسبة إليه، الأيديولوجيا هي الجهل، وعندما يكون العقل مسجوناً بالجهل فإنه يستخدم الرفض لإطفاء الفكر المتنور.

لقد كان الحزن هو النتيجة الأخيرة في عقل كلٍّ من الصليبي وأركون. عندما شاهدته لآخر مرة، غادر الصليبي إلى بيروت والحزن هو اللون الذي كان يسكن عينيه. وشاهدت اللون نفسه في عيني أركون الذي تحدث إليّ بحسرة عن “أولئك الذين يصرون على عدم الإصغاء”.

عندما يصبح الجهل هو الأيديولوجيا السائدة، فما هي أفضل صيغ علامات الهوية التي يجب على المفكرين التركيز عليها: النقد، الرفض أم الإصلاح؟

* إعلامي وباحث في شؤون الأديان والثقافات